الخميس، 28 أغسطس 2014

█ مجموعة علي بطيح █ السنة والشيعة مقارنة نفسية + “تحدي الثلج” في ميزان الشرع + (الرايات السود) ومشهد المنطقة الحالك!‎


  هل يعلم  المتخاصمون
والمتهاجرون هذا ؟!

مصلح بن زويد العتيبي 
 
الحمدلله حمد من إذا أحسن استبشر وإذا أساء استغفر ؛ والصلاة والسلام على نبينا محمد خير من عفا وأصلح ؛ أما بعد 
فقد كثر التهاجر والتقاطع والتدابر بين الإخوة والأقارب والأصدقاء والجيران 
على أتفه الأسباب ٠
ولن أتكلم عن فضل الصلح والتسامح في هذا المقال فقد تحدثت عنه في مقالات سابقة ؛ لكني سأورد حقائق قد يجهلها أو يتجاهلها المتخاصمون والمتهاجرون 
فإذا علمت هذه الحقائق فلعلك تكف عن الهجر والتقاطع  ٠
أولا / هل تعلم من يفرح بهذا الخصام وهذا الهجر ؟
يفرح به عدوك اللدود الشيطان الرجيم وهو أسعد حال يحب أن يراك عليه أن تهجر قريبا أو صديقا أوجارا ٠
ويفرح به أعداؤك من الناس 
فأين عقل أحدنا هل يرضى أن يُفرح الشيطان والأعداء ؟
ثانيا / هل تعلم من يحزنه هذا الهجر ؟
هجرك لأخيك أو لابن عمك إنما يحزن المحب لكما من قريب أو صديق ؛ فتهاجر الإخوان يحرق قلوب الآباء والأمهات ٠
فهل هذا عقلك ؟
وهل هذا خيرك وفضلك ؟
هل رضيت أن تكون سبب في حزن من يحبك ؟
ثالثا /هل تعلم ما هو أثر هذا الهجر عليك دينيا ؟
هذا الهجر سبب لتعليق أعمالك الصالحة فلا ترفع إلى الله ؛ وكلما رفعت قال الله سبحانه أنظروا هذين حتى يصطلحا ٠
كلها تعلق فلا ترفع صلاتك ولا صيامك ولا صدقاتك ولا حسن خلقك ولا برك بوالديك
كلها لا ترفع حتى يزول هذا الهجر ٠
وإن كان المهجور من ذوي الأرحام كان ذلك سبب في قطع الله للمتهاجرين ٠
فقد وعد الله الرحم والله لا يخلف الميعاد أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها ٠
فما أعظم الخسارة الدينية على من وقع في هجر أخ مسلم ٠
رابعا / هل تعلم ما هو أثر هذا الهجر عليك دنيويا ؟
من يعرف هاجرا لأخيه المسلم يعيش في راحة دائمة فليخبرني !
صدقني لن تجني من الهجر إلا ضيق الصدر وكسف الخاطر ، وكلما رأيت من بينك وبينه هجر ضاقت نفسك وكرهت رؤيته وحتى انك تكره أن تحضر في مجالس يحضرها ؛ فكان سبب تعاسة عليك 
وكم تفأجأ كثير التخاصم مع الناس بالضغط والسكر وكثير من الأمراض !
فهل تريد أن تصل لهذه الحالة ؟
خامسا   / هل تعلم كيف يتم الصلح ؟
الصلح لا يتم غالبا إلا إذا كانت نية من يدخل فيه سليمة بحيث أن تكون نيته أن يصطلحا هاذان المتخاصمان ٠
وللأسف الشديد فإن حالنا اليوم أن بعض من يسعون في الصلح يُبعدون وجهات النظر ولا يُقربونها ويُشتتون الناس ولا يجمعونهم ٠
والرجل العاقل يجعل أمره في يده ولا يجعله في أيدي الناس ٠
فأجلس مع من هجرك أو هجرته إن أمكن ذلك وإذا كان الخطأ منك فاعترف فهذه منازل الرجال وأفعال الكرام ؛ وإن لم يمكن ذلك فلا يتدخل في أمرك إلا من يغلب على ظنك صدق نيته وحسن سريرته ٠
سادسا / ما سبب هذا الهجر ؟
سأكتفي بذكر سببين من أسباب التهاجر في هذا الزمان وهي :
١- المال : وحتى تتجنب هذا السبب فلا تأكل إلا حلالا خالصا وتذكر أن أيما جسد نما من سحت فالنار أولى به ٠
فإذا تحرى المسلم الحلال فلن يعتدي على ماله غير ولن يدخل مع أحد في خصومة من أجل المال ٠
٢- المشيخة القبلية : وهذه أوقدت نارا من سلم من لهبها لم يسلم من سمومها ٠
والرجل العاقل يعلم أن الشيخ من تشيخه الأفعال الحميدة والخصال المجيدة ٠
والأصل أن هذه الأمور تجمع الناس فإذا فرقتهم فلا بارك الله فيها ٠
وإذا رأيت أن هذه الشيخة قد تشتت جماعتك وقرابتك فدعها فقد ترك سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد سادة شباب أهل الجنة الخلافة من أجل جمع كلمة المسلمين وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيدا بهذا الفعل ٠ 
خاتمة : والله ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاً ٠
والله انك ما إن تسامح وتصافح أخاك المسلم إلا وتشعر ببركة ذلك عليك وعلى نفسيتك حتى إن بعضهم ليبكي فرحاً وألما في نفس الوقت ويقول كيف وقعت في هذا الهجر كل هذه المدة ؟
فرجائي يا من تقرأ هذه الأحرف الحزينة على وقوعك في الهجر السعيدة يوم أن تكون سبب في صلح بينك وبين قريب أو صديق سامح وأصفح وبادر ٠
وتذكر :( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)
وطلبي ممن يعلم عن مسلم أنه وقع في هجر أن يرسل له هذا المقال وأن يدعو الله أن يكون سبب خير وإصلاح له ٠
والسلام عليكم ورحمة الله

           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

 

الطريفي يكشف لـ”تواصل”.. “تحدي الثلج” في ميزان الشرع


“تحدي الثلج” أو ما يعرف بـ”آيس باكيت تشالنج” Ice Bucket Challenge ظاهرة انتشرت
 بسرعة البرق في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى موقع اليوتيوب.
ولاقت الظاهرة الغربية رواجًا كبيرًا في العالم العربي، إلى حد التقليد في أوساط المشاهير والعامة،
 إلا أن الآراء تباينت بين مؤيد ومستنكر لها.
ففي حين يرى فريق أن التجربة تمثل حافزًا على البذل والمسارعة في تقديم الصدقة والتبرعات
 للجمعيات والمؤسسات الخيرية، يؤكد آخرون أن التبرع لا يحتاج إلى هذا التقليد الأعمى للغرب.
بداية الفكرة
تعود بدايات الفكرة حينما أطلق الشاب كوري جريفين (27 عامًا) (حملة تحدي دلو الماء المثلج)
لجمع تبرعات في إطار مكافحة مرض “لو غيريغ”، أو ما يُعرف بالتصلب العضلي الجانبي،
ويرمز له اختصاراً ALS وهو مرض يتلف الجهاز العصبي، حيث هدفت الحملة إلى جمع 31.5 مليون
 دولار لنشر الوعي حول المرض ودعم المصابين به.
وتقوم الحملة على سكب ماء مثلّج على الرأس ونشر مقطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وتحدّي
آخرين، استشعارًا بآلام المصابين بهذا المرض.
حظيت الحملة التي توفي مبتكرها، غرقًا قبل أيام، بمشاركة العديد من المشاهير الغربيين تبعهم فيها العرب
 بشكل واسع.
الغريب في الأمر أن الظاهرة امتدت لتشمل الشباب والأطفال في المملكة، حيث أضاف بعضهم الملح إلى الثلج،
 وتحولت القضية من هدف خيري واجتماعي وفق مؤسسها، إلى وسيلة للهو والترفيه.
تحدي التراب
ولجأ البعض إلى ابتكار أساليب واستحداث أخرى، من أشهرها قيام فنان أردني بسكب دلوًا من الرمل على
 رأسه، تضامنًا مع غزة.
وظهر “محمد دروزة” في الفيديو المنتشر على موقع يوتيوب، متسائلاً عن علاقة العرب بالحملة التي دشنها
 غربيون وشارك فيها مشاهير حتي يقلدوهم بسكب الماء المثلج علي رؤوسهم.
وأضاف أن همً العرب ينبغي أن يوجه لأطفال غزة وما يحسون به عندما يكونوا داخل بيوتهم، ثم تنهد عليهم هذه البيوتن بفعل القصف الصهيوني، ثم رفع دلواً ملئ بالرمل كان أمامه ليسكبه علي رأسه، قائلًا “هذا الشعور اللي يحسون به”.
ميزان الشرع
“تواصل” تقصّت القضية من بُعدٍ آخر، ووضعت الأمر بين يدي الشيخ عبدالعزيز الطريفي ليقول رأيه
 فيها من الناحية الشرعية، واستخدامها تحفيزًا للبذل والصدقة والعمل الإنساني.
وقال الطريفي: “الصدقة والزكاة والمعونات تستخرج من الناس بالوسائل المشروعة ترغيبًا بفضلها وترهيبًا
من عاقبة تركها على الإنسان والناس في الدنيا والآخرة، وأما استخراجها بوسائل الإلزام النفسي (والتحدي)
 أمام الجماهير بأي أسلوب كان فهذا لا يليق إقحام أعمال البر العظيمة وخاصة الصدقة”.
واستند في رأيه إلى عدة وجوه، هي:
- أولاً: أن الصدقة والنفقة تتشوف الشريعة إلى إخراجها بطيب نفس خالص وإخراجها بغير ذلك من
صفات المنافقين قال تعالى: (وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) ومعنى التحدي لسكب الثلج أن من خاف من
 الثلج يتصدق فتصدق خوفًا ورهبة، وقد نهى النبي عن النذر لأن فيه إلزام الإنسان من غير طيب نفس
وهذا يربي على البخل؛ وأما الشريعة فتحث على المبادرة كما في الصحيحين عن ابن عمر قال
(نهى رسول الله ﷺ عن النذر وقال إنما يستخرج به من البخيل).
- ثانياً: أن من هذه الأفعال ما يورث خطورة على النفس فالبرودة الشديدة لا تتحملها كل الأجسام،
 وقد يهلك الإنسان ويموت بسببها وهذا إهلاك للنفس.
- ثالثاً: أن الطرق الشرعية غنية عن سبل الإنفاق التي يقلد بها الأمم، ففي أساليب القرآن
 والسنة كفاية ونصوص الحث والترغيب بالإنفاق متواترة.
- رابعاً: يُجمع العلماء على أن المال الذي يؤخذ بسيف الحياء منهي عنه فيحرج الإنسان لاستغلال
غلبة حيائه الفطرية ليؤخذ ماله ولو نفقة أو بيعًا أو هدية وهبة، ويجب أن يحيا في نفوس الناس
 البذل وتؤخذ الزكاة من الأغنياء وتسهل الوسائل للإنفاق والبذل، وتكثر الجمعيات الخيرية والتضييق
 على ذلك يفتح أبواب الاجتهاد الخاطيء.
- خامسًا: أن تقليد الغرب وما جاءوا به؛ هو تتبع لسننهم الخاطئة رغم وجود المحفزات الشرعية في
 ديننا، وفي ذلك مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا
 وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ؟)
 (متفق عليه).
مضاعفات صحية
من جانبه، أكد استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين الدكتور خالد النمر أن سكب كميات
 كبيرة من الماء المثلج هو جهد للقلب قد يسبب جلطة القلب.
وحذر من تحدي الثلج قائلاً: “سكب كمية كبيرة من الماء المثلج على الشخص هو جهد للقلب
 لا يتحمله كل شخص، وقد يسبب الجلطة القلبية فيمن لديه تضيق شرايين أو قابلية للانقباض”.

           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

 

السنة والشيعة مقارنة نفسية

هذه المقالة كانت معدة  للنشر في صحيفة التقرير لكن الصحيفة اعتذرت لأسباب أقدرها وأتفهمها

وقررت نشرها في المدونة
 تركي الجاسر
التحدي الذي يفرضه التاريخ والنصوص الدينية والتربية الروحية والسلوك الأخلاقي على السنة والشيعة، يدفعهما لمواقف نفسية محددة، فيها تمايز واضح يمكن رصده وتشخيصه. ويؤثر في صياغة هذه الحالة النفسية مواقف الطرفين من آل البيت، ومواقفهما من بعضهما البعض. هذه محاولة لتقصٍ توصيفي لتلك الحالات النفسية، والربط بين أسبابها ونتائجها وتداعياتها، وبالطبع لا يقصد بهذا التوصيف كل فرد بعينه، لكنه توجه عام يغلب أن يتجسّد فيمن ينتمي لهذا المذهب أو ذاك. 

الأصل والاستثناء ونفسية الأقلية
يرى السنة أنفسهم امتدادا طبيعيا لجيل الصحابة الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يعتبرون أنفسهم الاستمرار الاصيل للدعوة النبوية والخط الأصلي الممتد لجماعة المسلمين. ثم إن المنظومة العقدية والفكرية والتربوية والفقهية لدى السنة، تشكلت في عهد النبوة، وبفهم الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك فإن من جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين يرون أنفسهم داخل هذه المنظومة وفي إطارها. هذا الشعور بالأصالة عند أهل السنة يطرد الهواجس، ويُطمئن النفس بالمنهج، ويرسخ الثقة بالاسلاف، ولذلك ترى الانتماء عند أهل السنة طبيعي على قاعدة (نحن نحن) بدون عقد نفسية من الانتماء. 

الشيعة لا ينكرون أن الوجود الشيعي كان شبه معدوم من الناحية البشرية وقت النبوة والصحابة، ولم يتبنى التشيع إلا عدد قليل جدا من الصحابة (اقل من عشرة) الذين يسمونهم المنتجبين(١). وحتى بعد الصحابة لم يتشكل الشيعة في مجتمعات ظاهرة ولا مؤسسات سياسية، بل إن بنيتهم الاجتماعية بقيت رهينة الجيوب الخاصة، ولم تجد طريقها لبناء سياسي وهيمنة سلطوية، إلا في حالات استثنائية في التاريخ، لا تمثل السياق العام زمانا ولا مكانا ولا عددا(٢). وحتى على المستوى العقائدي الشرعي، يقر الشيعة بأن التشيع بمفهومه الإثناعشري، لم يبدأ في التشكل كمذهب عقدي واضح، إلا بعد قرن ونصف من الهجرة، ولم يكتمل إلا بعد  ثلاثة قرون(3). 

النتيجة: نفسية الأقلية والتعلق بالمهدي
لهذا السبب يعترف الشيعة في أدبياتهم بأن السنة هم الأصل، وأن الشيعة استثناء إلى درجة انهم يسمون السنة (العامّة) (٤) أي عامة الناس، بمعنى أنهم هم الخاصة (الأقلية). ولذلك يعيش الشيعة هاجس السنة في كتاباتهم وفي نظرتهم للتاريخ، وفي حياتهم الاجتماعية وفي حياتهم السياسية وفي تربيتهم الشخصية. وفي جولة سريعة في كتابات الشيعة الفقهية والعقدية والاجتماعية القديمة والحديثة، يلاحظ القارئ عمق الهاجس بالسنة أو "المخالفين"(٥). ولأن التاريخ أثبت أن قَدَر الشيعة هو الأقلية ولا يمكن بالمقاييس التاريخية الراهنة أن يسود الشيعة، فلا توجد وسيلة لتغيير هذا القدر المحتوم، إلا أن تكون قفزة فوق التاريخ، تحول الشيعة فجأة من أقلية مغمورة لأغلبية مهيمنة. ولا يحقق مثل هذه القفزة إلا شخصية خيالية، تخترق الثوابت التاريخية، وتمثل مخرجا إعجازيا من المجتمع المحدود، إلى الهيمنة الكاملة. وهذا ما يجعل إنجازات المهدي في أدبيات الشيعة مرتبطة بهذه العقدة، فهي معظمها تمكين للشيعة وتحويلهم لأغلبية، وسحق الأغلبية الحالية (السنة) لأنهم أعداء آل البيت، وليست لسلطة الإسلام في الأرض.(6)

النجاح والفشل والتعويض بالمهدوية
تعتبر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عند السنة أنجح الدعوات في التاريخ، تربويا وحضاريا واجتماعيا وسياسيا، وكل ما حصل فيها هو مما يقتدى به. وكذا سيرة الخلفاء الراشدين التي كانت نجاحا في القضاء على الردة، وفي فتح الفتوح وتنظيم شؤون الدولة وغيرها من الإنجازات. وحتى بعد الخلافة الراشدة، ينظر السنة  للجوانب الإيجابية في فترة الدولة الأموية والعباسية والعثمانية والمماليك، في علو شأن المسلمين وبسط هيمنة الإسلام على رقعة واسعة من العالم. 

الشيعة من جهتهم لا يعترفون بهذه النجاحات، لأن النجاح عندهم مرتبط فقط بمدى تمكين الأئمة. واول فشل عندهم هو فشل النبي عليه الصلاة والسلام (حاشاه) في التربية، حيث لم تنتج تربيته إلا مجتمعا من المتآمرين على إقصاء حق الأئمة (٧). وما دام الصحابة تمالؤا على إقصاء علي بن أبي طالب ثلاث مرات، فهذا فشل تاريخي آخر في حياة الخلفاء الراشدين. وحتى تولي علي الخلافة لم يكن نجاحا بالطريقة التي يفترضونها، بل كان تمكينا ناقصا ولم يحقق التخلص من الذين خذلوه. أما ما حصل بعد ذلك من خلافة الأمويين والعباسيين، فقد كان فشلا أعظم، بل كارثة حلت بالأمة طبقا لحساباتهم، ولا قيمة لكل ما قدمه الخلفاء حتى العادلين منهم ما داموا لم يمكنوا لآل البيت(٨).

النتيجة: اللجوء إلى حل خارق للسنن الكونية والنواميس التاريخية
ما دامت التجربة التاريخية أثبتت أنه حتى القيادة والتربية النبوية لم تنجح، ولم يتحقق التمكين لآل البيت على مدى قرون طويلة فما هو المخرج ؟ المخرج هو نفس مخرج إشكالية الأقلية، وذلك بتغيير قواعد التاريخ بقدرات خارقة وتصورات إعجازية، بشخصية المهدي الأسطورية، وطريقة خروجه التي تخالف قوانين الكون ونواميس الحياة. ولذلك تجد في أدبياتهم مبالغات في تمكين المهدي، وسيطرته المطلقة، وشفاء غليلهم في الصحابة بإحيائهم والانتقام منهم(٩). هذه الحكايات التي لا تتفق مع سنن التاريخ، وتناقض مسيرة الحركة البشرية، لا يمكن تفسير اللجوء إليها إلا كبواعث نفسية، للتعويض عما يرونه فشلا متتابعا، على مدى قرون طويلة في تمكين الأئمة، وحلا إعجازيا في تحويل الفشل إلى نجاح.

التاريخ الإسلامي فخر السنة ومصائب الشيعة 
في نظرتهم للتاريخ، يعتقد أهل السنة أن البعثة والهجرة، وغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وفتح مكة، ثم ما حصل في حكم الخلفاء الراشدين، المثل الأعلى في التاريخ والنموذج الأمثل للافتخار. وشعور السنة بذلك طبيعي، لأن الصحابة رموزهم التي يفتخرون بها، ونماذجهم العظيمة التي لا يتفوق عليها أي نموذج في التاريخ. أما ما جرى بعد ذلك في التاريخ الإسلامي، خاصة في الدولة الأموية والعباسية والمماليك والعثمانيين، فيفتخرون بما فيه من الفتوحات والانتصارات، ولا يقرّون ما حصل من ظلم واستبداد وفساد، لكن لا يعيشون هاجسه ومن ثم لا يعانون من عقدة في الانتماء.

في المقابل لا يمثل هذا التاريخ للشيعة أي فخر، لأن هذه الأمجاد إنما هي إنجازات الذين ظلموا آل البيت، واقصوهم، وقتلوا بعضهم، ومن ثم فالافتخار بهذه الإنجازات، هو بالضرورة افتخار بالأعداء(١٠). ولذلك يجد الشيعة أنفسهم أمام فراغ تاريخي كبير، يمتد لمئات السنين، لا تشكل فيه هذه الأمجاد شيئا. والأمم بطبعها لا تقبل خلو تاريخها من الأمجاد(١١)، خاصة إذا كانت تمتد لمئات السنين، فكيف حل الشيعة هذه المشكلة النفسية؟

النتيجة: تضخيم تاريخ آل البيت ومآثرهم وجرائم لخصومهم
الحل هو في محاولة تعويضية لتعبئة هذا الفراغ في الانتماء التاريخي، وذلك بتضخيم وتهويل قصص أهل البيت، وما تعرضوا له من ابتلاء ومظالم، والإسهاب والإطناب في ذكر التفاصيل الدقيقة التي تكاد تشبه الروايات القصصية المعدة للتمثيل والافلام(١٢). ولذا فإن المعالم الهامة في التاريخ، عندهم محدودة في قصة غدير خم، وحادثة السقيفة، ومعركة الجمل، وصفين، وذروة التاريخ كله هي فيما حصل للحسين رضي الله عنه. والوصف التفصيلي الدقيق لما حصل لآل البيت، يفوق تفاصيل السيرة النبوية والأحداث المفصلية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث عن مآثر وشجاعة وقدرات الأئمة الاثني عشر، يفوق مآثر أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.  وفي المقابل تمتليء الأدبيات بحكايات الجرائم المنسوبة لخصومهم، التي تضاهي في حجمها ما يتداوله السنة عن مآثر نفس الشخصيات. ولأن هذه الروايات ناتجة عن حالة نفسية للتعويض وليست حقيقية، فبالطبع لن يكون لها إسناد أصلا أو يكون إسنادها متهالكا، لا يُعتمد عليه في الرواية. (١٣)

أداء حق آل البيت والتقصير في حقهم
يتعامل السنة مع آل البيت تبعا لما ورد لديهم، من وجوب مودتهم، والصلاة عليهم، وأداء حقهم من بيت المال، ولا يعتقدون أن لهم حقا خاصا في الولاية ولا الإمامة. ويقر أهل السنة بما حصل لبعض آل البيت من مظالم، لكنهم لا يعيشون هذا الهاجس، ولا يعتقدون أن آل البيت تم استهدافهم قصدا بالإقصاء والقتل أو الاغتيال. بل إن أهل السنة يعتقدون أن مظالم آل البيت كانت استثناء في التاريخ الإسلامي، وأنهم في الجملة كانوا مقدرين محترمين، قد أُمنّت حقوقهم من قبل الأمة ومن قبل الحكام.

أما الشيعة فيعتقدون أن الظلم والإقصاء والقتل والكيد والتآمر، هو قدر آل البيت، وأن الشيعة ذاتهم قصروا في حقهم ولم يساهموا في تمكينهم في الإمامة بشكلها الكامل، ولم يحموهم كما ينبغي(١٤). وحتى علي بن أبي طالب وهو الإمام الوحيد الذي تمكن سياسيا بسلطة، لم يتمكن إلا بعد ثلاثة خلفاء، بل إن وصوله للحكم لم يكن بجهد من الشيعة، بل ببيعة الصحابة رضي الله عنهم (١٥). لكن تقصيرهم الأعظم كان مع الحسين بن علي رضي الله عنه، والذي يعتبرون خذلانه أكبر خذلان في التاريخ.

النتيجة : تعذيب النفس والعيش بعقدة الذنب
يعالج الشيعة هذه المشكلة بطقوس تعذيب النفس، بأشكال مختلفة ليس أقلها اللطم، وضرب الجسد بالحديد، وجرح الرؤوس بالسيوف، وتقطيع الجلد بالسكاكين ..إلخ. وهم يستمتعون بهذا التعذيب، ويجدون فيه إشباعا بسبب قوة مشاعر المسؤولية بالتقصير التي تنتابهم تجاه الحسين. كما إن أدبياتهم مليئة بعقدة الذنب، وتحميل أنفسهم مسؤولية ما أصاب الحسين، والتي توجد على شكل روايات كثيرة. ويجتهد الشيعة في مجالس العزاء الحسيني بالبكاء والنحيب، ويطيلون البقاء لاستماع التفاصيل الدقيقة عن اللحظات الأخيرة في حياة الحسين، حتى تكون بمثابة إخراج لما في الباطن، من لوم للذات، وتقريع للنفس، على الخذلان والتقصير في حق الحسين، بطريقة شبيهة في تعامل النصارى مع قصة صلب المسيح.(١٦)

السنة والشيعة من يحتوي ومن يُقصي؟
ليس عند السنة مشكلة مع علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، بل يعتبرونهم مشهود لهم بالجنة ومن كبار الصحابة، ويتعبدون الله بحبهم، ولذلك فإن موقف السنة من الشيعة لايخضع لأي إسقاط مرتبط بالموقف من هؤلاء. وقد ثبت في التاريخ أن السنة الذين كان التمكين من نصيبهم في معظم فترات التاريخ الإسلامي، لديهم القدرة على استيعاب الشيعة لأنهم لا يعيشون عقدة بغض للأئمة، ولا هاجس الشيعة، ومن ثم لا يستهدفونهم كطائفة إلا إذا في حالات الاستفزاز. 

أما الشيعة، فيعتبرون الصحابة متآمرين  في استبعاد علي بن ابي طالب، وبما أن السنة يعظمون الخلفاء الثلاثة، فإن كل السنة ورثة لمسئولية هذه الجريمة. وعلى نفس المنوال لأن السنة يعترفون في الجملة بخلافة بني أمية وبني العباس، فإن كافة السنة في القديم والحديث، يرثون مسئولية ما أصاب الأئمة الإثني عشر من أذى في العهدين الأموي والعباسي، خاصة الحسين رضي الله عنه. 

النتيجة : حقد ورغبة بالانتقام وعجز عن الاحتواء 
هذا الموقف، يصنع نتيجة تلقائية، هي حقد الشيعة على كل من يعتبر نفسه امتدادا للصحابة والتابعين وخلفاء بني أمية وبني العباس، وبهذا لا يستطيع الشيعي من الناحية النفسية، تفادي الحقد على السني، لأنه يرى فيه هذا الامتداد للمسئولية تجاه ما حصل لآل البيت. هذا الحقد يترجم بنزعة طبيعية للانتقام من السنة، تفسر ما يصيب السنة من أذى كلما توفر للشيعة سلطة أو فرصة. ولهذا السبب لا يمكن أن تشتمل النفسية الشيعية على استيعاب السنة، ويصعب تصور سلطة تدار من قبل الشيعة قادرة على استيعاب السنة. ولذلك فإن استهداف السنة بالاعتقال والتعذيب والقتل والاغتصاب في العراق مثلا، لم يكن تصرفا متكلفا أو مرتبطا بثارات من آثار حكم صدام، بل هو تصرف طبيعي مرتبط بهذه الإسقاطات النفسية عندهم. (١٧)

الصحابة وكتب الحديث والبديل 
يثق السنة بعدالة الصحابة ويثقون بمنهجية أهل الحديث في الرواية والتصحيح والتضعيف، ويتعامل السنة بطمأنينة وارتياح للكتب التي اتفق أئمة الحديث على صحتها مثل البخاري ومسلم، كما يتعاملون بثقة بالأسس التي يحكم بها على ما جاء في الكتب الأخرى، ويعتمدون عليها دون وساوس ولا شكوك. 
أما الشيعة، فحتى الذين يتحاشون تكفير وتخوين الصحابة، يقرون بعدم الاعتراف بعدالتهم ورفض رواياتهم، وتبعا لذلك لا يقبلون بكتب الحديث السنية. وبدلا من ذلك يعتمد الشيعة على (الكتب الثمانية) (١٨) المروية عن الأئمة، والتي نقلها عنهم اصحاب الأئمة، ولا يشكل فيها المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا نسبة لا تذكر. هذه الكتب لم تكن خاضعة لقواعد محددة في التصحيح والتضعيف، ويكفي زعم المؤلف صحة رواياته كشهادة عن صحتها(١٩). ولم يبدأ النظر في الأسانيد وعلم الرجال، إلا بعد القرن التاسع الهجري أي بعد آخر الأئمة بـ ٦٥٠عام . (٢٠)

النتيجة : الخيالات الجامحة بدلا من المنطق والشمول
عدم المبالاة بالأسانيد، وعدم التدقيق في موافقة المتن لصريح القرآن، والمنطق البشري الطبيعي، جعل تلاوة الروايات الصادرة من خيال المتحدث أو الكاتب، أمرا سهلا ما دامت الروايات الأصلية التي بني عليها المذهب غير خاضعة للتدقيق. وهذا يفسر كثرة القصص الغارقة في الخرافة التي نراها قد ملأت اليوتيوب حاليا، لأنه لا توجد مقاييس تحكم على دقة هذا المتحدث فيسترخي في خيالاته. والحقيقة فإن هذه الخيالات الجامحة، حل مفيد لمشكلة خلو الروايات الشيعية من محتوى مقنع، منطقا وشمولا، فيكون التحليق العاطفي بالجمهور بديلا. (٢١)


تعويض الروحانية بالطقوس الشكلية 
نظرا لأن الدين عند أهل السنة مرتبط بعلاقة العبد بربه دون أي هواجس أو قضايا جانبية، فإن القرب من الله والتلذذ بالعبادة والتمتع بالروحانية، يتم بالحرص على النوافل التي تقرب إليه، وخاصة قراءة القرآن وقيام الليل. وكل سني يستطيع أداء ذلك كفرد أو جماعة، وليس بحاجة لطقوس معينة أو وسائل خاصة يتقرب فيها لله. 

أما عند الشيعة فلا تخلو كتبهم من الحث على قيام الليل وقراءة القرآن، لكن الزخم العام للتربية الروحية ليس مرتبطا بالاهتمام بذلك، بل ملتصق جدا بما له علاقة بآل البيت. والنصوص في الكتب الشيعية تحشر آل البيت في كل شيء، سواء في مخاطبة الله سبحانه، أو في العلاقة مع بقية الكائنات الحية وغير الحية، أو مع الجن والملائكة، أو في تفسير الظواهر الطبيعية والأحاسيس البشرية. 

النتيجة : طقوس الروحانية كلها مرتبطة بآل البيت
لهذا السبب فإن البديل عند الشيعة في التلذذ بالعبادة، هو حضور جلسات العزاء سواء للحسين أو للائمة الآخرين، والتطويل في حكاية قتل الحسين وصياغتها بطريقة تفاعلية مع الجمهور، بطريقة تجعل لها متعة روحية هائلة عند الشيعة. شكل آخر من أشكال المتعة الروحية، هو زيارة أضرحة الأئمة بطقوس ومراسيم معينة، ولكل ضريح زيارة خاصة وبرنامج وأدعية خاصة. شكل ثالث من أشكال المتعة الروحية، هو الإكثار من المناسبات الدينية المرتبطة بآل البيت. ولهذا فميلاد كل إمام ووفاته وأربعينيته، لها قدسية توفر أكثر من ٣٠ فرصة سنويا للشيعة، بالتمتع بشيء من الطقوس الروحية التي يتسابقون في اختراع الأساليب المناسبة للتعبير عنها. (٢٢)

الاخلاق بين المسؤولية والتقية
يتعامل السنة مع الأمانة والصدق والوفاء، تعاملا مجردا خاضعا للخوف من الله، والمسئولية في الحذر من صفات المنافقين، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان. ويؤمن السنة بوجود هامش للتورية، وهامش آخر للتقية، وهامش ثالث للتحايل الشرعي، ورابع للمكر بالأعداء، لكنهم يعتبرون هذه الهوامش استثناء، ويضعونها في سياقها المحدود والخاص.  

الشيعة من طرفهم يتبنون التقية كأساس في التعامل لا كاستثناء، كما تدل على ذلك مروياتهم، التي تشير إلى كثير من مواقف الأئمة المبررة بالتقية، والمتعارضة مع شجاعتهم، ورباطة جأشهم. والتقية عند الشيعة ليست للاضطرار ولا للخوف، بل هي مستحبة على كل حال، حتى لو أمن الشيعي الضرر. الأخطر من ذلك، أن كثيرا من المرويات ليس فيها دليل على اقتصار التقية مع الأعداء أو المخالفين، بل هي روايات عامة عن مشروعية التقية هكذا. (٢٣)

النتيجة : القابلية للشك بالآخرين والتوسع في المعاذير
من الطبيعي أن يستحضر الفرد الشيعي في معاملاته، ممارسة الأئمة المعصومين للتقية باستمرار في تعاملاتهم، ويتذكر حثهم عليها، واعتبارها أصلا عظيما في الدين. فإذا كان الإمام المعصوم المؤيد من عند الله غارقا في التقية إلى شحمة أذنيه، فما الذي يمنع الشيعي الضعيف غير المعصوم من استخدامها؟ هذا الاستحضار الذي يخترق اللاشعور، يدفع الشيعي لأن يلجأ للتقية حتى في حياته العادية ومع بني مذهبه، خاصة وأن المرويات لا تقصر استخدام التقية مع المخالفين. هذه الممارسة تفتح الباب بقوة لانتشار الشك وسوء الظن في المجتمعات الشيعية، لأن كل فرد يعتقد أن الثاني يفكر ويتعامل بنفس طريقته وفهمه. وفي بعض المجتمعات الشيعية، تنتشر هذه الظاهرة لدرجة أنهم يثقون بالسنة أكثر من ثقتهم ببني مذهبهم، خاصة في قضايا الأموال والأعراض. (٢٤)

أخيرا 
فهذا جهد ذهني تقديري ليس فيه استقصاء ولا شمول ويمكن بالعمل على غراره التعرف على حالات نفسية أخرى لدى الطائفتين والله أعلم.

-----------------------------------------------------------------------

(١) الصحابة المنتجبون قيل 3 وقيل 4 وقيل 7 وقيل أكثر، جاء في كتب الشيعة أن كل الصحابة خانوا العهد وارتدوا إلا هؤلاء. والروايات الشيعية في تحديد عدد الصحابة المنتجبين كثيرة منها ما رواه الكلیني عن الباقر قوله: " المھاجرون والأنصار ذھبوا إلا ـ وأشار بیده ـ ثلاثة". (الكافي ٢/٢٤٤). وراجع كذلك الاختيار في معرفة الرجال للكشي (ص ٥-١٠).

(٢) تمكن الشيعة أيام الدولة الفاطمية في مصر والدولة الصفوية في فارس كسلطة كاملة، أما تمكنهم أيام بني بويه في خلافة العباسيين، فقد كانت أقرب للوزارة من السلطة الكاملة تحت ظلال الخليفة العباسي. 

(٣) لم يبدأ التشيع يأخذ مذهبا واضحا مستقلا، إلا بعد ظهور جعفر الصادق المتوفي ١٤٨ هـ، ولم يكتمل تشكل المذهب فكريا إلا بظهور الكتب الأربعة الأولى، وعلى رأسها الكافي الذي الفه الكليني المتوفي ٣٢٩ هـ.

(٤) استخدام لفظة "العامة" في الإشارة لاهل السنة جاء مبكرا جدا، حيث ينسب في كتب الشيعة لجعفر الصادق في أحاديث الكليني. 
وفيه عبارة "قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد." الكافي - الشيخ الكليني - ج ١ - الصفحة ٦٨.

(٥) (٦) عبارة تلخص ما ذكرناه عن نفسية الأقلية، وانتظار المهدي جاءت في كتاب بحار الأنوار للمجلسي حيث يقول "بل يظهر من كثير من الروايات أن المخالفين في حكم المشركين والكفار في جميع الأحكام، لكن أجرى الله في زمان الهدنة حكم المسلمين عليهم في الدنيا رحمة للشيعة، لعلمه باستيلاء المخالفين، واحتياج الشيعة إلى معاشرتهم، ومناكحتهم، ومؤاكلتهم، فإذا ظهر القائم عليه السلام، أجرى عليهم حكم المشركين والكفار في جميع الأمور" بحار الأنوار ١٦/٦٦.

(٧) اتهام النبي عليه الصلاة والسلام بالفشل (حاشاه)، مبثوب بشكل ضمني في كل كتب الشيعة، لكن لم أطلع على تصريح بكلمة فشل، إلا عند الخميني في خطبة ألقاها بمناسبة ذكرى مولد المهدي في ١٥/شعبان /١٤٠٠ هـ قال (( لقد جاء الأنبياء جميعا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا، حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة، لم ينجح في ذلك )) (نهج خميني ص٤٦).

(٨) نموذج لتعامل الشيعة مع العهد الأموي والعباسي كتاب : ( أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم، تأليف : آية الله جعفر السبحاني ) اضغط على الفصلين المخصصين للتاريخ الأموي والعباسي إضغط هنا.
(٩) من نماذج ذلك، ما ينقله المجلسي عن جعفر الصادق زعمه تفاصيل خروج المهدي، ونبش قبري أبي بكر وعمر وإحيائهما، ثم يحاكمهما على ما يزعم من الجرائم فيقول"كل ذلك يعدده عليهما و يلزمهما إياه فيعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، و يأمر نارا تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحا فتنسفهما فِي الْيَمِّ نَسْفاً" بحارالأنوار ج : ٥٣ ص : ١٢.

(١٠) روايات الشيعة المعتبرة، تتعامل مع أبي بكر وعمر وعثمان كأعداء، ومن يزعم غير ذلك من الشيعة مضطر لأن ينكر الإمامة، لأن من يؤمن بالإمامة بصدق، لا بد أن يعتبرهم أعداء وخونة ومرتدين، كونهم تآمروا على إنكار تعهدهم للنبي صلى الله عليه وسلم بإمامة علي. أما خلفاء بني أمية وبني العباس، فعدائهم صريح ولا يبذل الشيعة أي جهد في إخفائه.

(١١) الافتخار بأمجاد الأسلاف طبع بشري شائع في كل المجتمعات حتى البدائية منها، ويتشكل ذلك إما في الأغاني والفلكلور، أو في الكتابات والأعياد، أو في أي مظهر آخر. 

(١٢) يروي الشيعة كل ما دار في موقعة كربلاء بتفاصيله المزعومة، والتي تملأ مئات الصفحات من الحوار المسهب، وعادة ما يجري تمثيله حقيقة في مجالس العزاء أمام الجمهور. والتفاصيل في هذا الفيلم المصور ليست خيالات كاتب سيناريو، بل هي مدونة في كتبهم يزعمون أنها حدثت هكذا بتفاصيلها، إضغط هنا.
(١٣) لا يثبت من تفاصيل موقعة كربلاء بأسانيد صحيحة إلا أقل من ٥٪ من الروايات مما هو ثابت في كتب السنة، وأما الباقي فهو إما بأسانيد متهافتة، أو بدون أسانيد، هكذا يروى معلقا. 

(١٤) مظلومية آل البيت لم تكن قضية رصدت عن طريق الملاحظة بعد مرور الزمن، بل إن روايات الشيعة تتحدث عنها كقدر محتوم قبل ظهور المهدي، حيث ينقل نهج البلاغة عن الباقر قوله في حديث طويل "ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا … الخ".

(١٥) روي عن الباقر إجابته عن سؤال لماذا لم يتحرك جده علي بن أبي طالب، فكان مما قال "فما بال أمير المؤمنين عليه السلام قعد عن حقّه حيث لم يجد ناصراً، أو لم تسمع الله تعالى يقول في قصّة لوط عليه السلام : قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وفي حكاية عن نوح فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ويقول في قصة موسى قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، فإذا كان النبي هكذا فالوصي أعذر. يا جابر مثل الإمام مثل الكعبة يؤتى ولا يأتي".
كفاية الأثر / الخزاز : ٢٤٧ وبحار الأنوار ج ٣٦  ص ٣٥٧.

(١٦) التشابه بين الشيعة والنصارى، لا يقف عند تشبيه قتل الحسين بصلب المسيح، بل هناك تشابه في أمور كثيرة، مثل تشابه تراتيب الحوزة مع سلم الكرادلة، وتشابه تقديس مريم وتقديس فاطمة، و ١٢ إمام مع ١٢ حواري، وتشابه في كثرة المناسبات الدينية، وتشابه في تصوير المسيح والحواريين في الكنائس، مقابل تصوير علي والحسين في الحسينيات، وتشابه في تقسيم الناس لمجتهد ومقلد عند الشيعة، مع تقسيمهم لقسيس وعامي عند المسيحيين. كل هذه التشابهات ليست موجودة عند السنة.

(١٧) هذا الإسقاط يفسر قدرة السنة على استيعاب الشيعة على مدى قرون كثيرة في العراق، حين كانوا هم المسيطرين على الوضع، وفي المقابل عجز الشيعة أن يستوعبوا السنة ولو لسنوات محدودة. والخطف والاعتقال والتعذيب والاغتيالات والمذابح التي تعرض لها السنة قبل وخلال الحرب الأخيرة، تصرف متوقع بسبب هذا الإسقاط. 


(١٨) عمدة المذهب الشيعي على ثمانية كتب منها الأربعة القديمة والأربعة المتأخرة .
الاربعة القديمة هي :
- "الكافي" لمحمد بن يعقوب الكليني توفي ٣٢٩هـ.
- "من لا يحضره الفقيه" للصدوق محمد بن بابويه القمي توفي ٣٨١هـ.
- "تهذيب الأحكام" لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي توفي ٣٦٠ هـ.
- "الاستبصار" للطوسي أيضا.

والأربعة المتأخرة هي :
- "الوافي" لمحمد بن مرتضى الكاشاني توفي ١٠٩١ هـ.
- "بحار الأنوار الجامعة لددر أخبار الأئمة الأطهار" لمحمد بن باقر المجلسي توفي ١١١١هـ.
- "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" لمحمد بن الحسن الحر العاملي توفي ١١٠٤هـ. 
- "مستدرك الوسائل" لحسين النوري الطبرسي توفي ١٣٢٠هـ.

(١٩) لو طبق منهج التصحيح والتضعيف عند أهل السنة على الروايات الشيعية بكل تجرد، لن يصمد أكثر من واحد بالمئة من روايات الكتب الثمانية، وهذا الاعتقاد يحمله كثير من علماء الشيعة:
ويقول شيخ الطائفة الطوسي: "إن أحاديث أصحابنا فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا" تهذيب الأحكام ١\٢. وينقل صاحب رجال الكشي، عن جعفر الصادق في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، الذي روى ٧٠ ألف حديث عن الباقر، ١٤٠ ألف حديث عن غيره، معظمها عن جعفر نفسه ؟ يقول : "والله ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة وما دخل علي قط". رجال الكشي الجزء ٣ صفحة ١٩١.. ومع ذلك يوثقه الكشي ويثق برواياته.

(٢٠) أول من بدأ النظر في التصحيح والتضعيف وعلم الرجال، هو زين الدين العاملي المتوفي ٩٦٥هـ ، ومع ذلك فهو لا يقترب فضلا عن أن يشبه طريقة أهل السنة. وبعد ذلك ظهرت المدرسة الأصولية بعد ١٢٠٠هـ، وتوسعت أكثر من التدقيق في الإسناد إلى استخدام المنطق كبديل عن كثير من الروايات التي يستحيل تصديقها للعقل السليم. 

(٢١) من ضرورات نجاح التحليق العاطفي بالجمهور، أن يكون لدى المتحدث صوت جيد وقدرة على الإلقاء الملحن بما يشبه المقامات الحزينة، ولا يكفي أن يكون عالما وقادرا على الحديث.

(٢٢) مناسبات الشيعة لا يكفي فيها التعبد الفردي بل لا بد من حضور نشاط ديني محدد بقيادة أحد المجتهدين، أو "الرادودين" لإحيائها وتحويلها لنشاط احتفالي بمهرجان حزن أو بكاء حسب الحالة. كما أن الأضرحة لها سدنتها ومطوفوها، ولكل ضريح مطبوعات بأدعية خاصة لكل ضريح. 

(٢٣) المرويات عن التقية عند الشيعة، ترفع التقية إلى جعلها ركنا من أركان الدين، وليس مجرد رخصة تنفعه عند الضرورة، تأمل هذه الأقوال المنسوبة للأئمة: 
"التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له". 
"لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا". 
"ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية". 
"التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين".
وقد نص بن بابوية القمي، على أنها واجبة فقال "والتقيَّةُ واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يَخْرج القائم، فمن تركها قبل خروجه، فقد خرج عن دين الله تعالى، وعن دين الإماميَّة، وخالف الله ورسوله والأئمة" الاعتقادات ١١٤.
راجع كتاب التقية في الفكر الإسلامي، إصدار مؤسسة الرسالة ص ٧٤ وما بعدها، إضغط هنا.

(٢٤) يتوسع مفهوم التقية عند الشيعة بسبب مرونته الفائقة، حتى يصل لمرحلة الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. وهذا ما جعل إيران مثلا تتعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية في كثير من الأحيان، بطريقة فيها تغليب للمصلحة على المبادئ، والسبب هو أن المبدأ نفسه يجيز تغليب المصلحة اعتمادا على مبدأ التقية. وهذا هو نفس تفسير طريقة تصرف القيادة العراقية الملتزمة شيعيا، وذلك بالرضا بالتعامل مع الاحتلال إلى آخر مدى ضد السنة، واعتبار من يقاتل الاحتلال إرهابيين. وقد أشرت إلى هذه النقطة في مقال سابق في صحيفة التقرير (إيران الثورة.. مع أو ضد أمريكا؟) إضغط هنا.
http://turkialjasserj.blogspot.com/2014/08/blog-post_26.html
           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

 

“تواصل” تتقصى الحقيقة الكاملة لصورة الفتيات السعوديات مع زعيم البوذيين

 “تواصل” تتقصى الحقيقة الكاملة لصورة الفتيات السعوديات مع زعيم البوذيين
تواصل – خالد الغفيري:
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة تظهر مجموعة من الفتيات والشبان المسلمين مع الزعيم البوذي “دلاي لاما”، وأثارت جدلًا واسعًا.
“تواصل” لم تكتف بنشر خبر الصورة وتعليقات بعض من تداولوها، بل تقصت أصلها، وبحثت لتحصل على التفاصيل الكاملة.
البداية من حساب “دلاي لاما” على موقع (جوجل بلس g+) حيث نشر الصورة بتاريخ 18 أغسطس الجاري، يصحبها تعليق باللغة الإنجليزية ترجمته نصًا: “قداسة الدالاي لاما مع الطلاب الذين يحضرون دورة تدريبية حول الطب التبتي في معهد الطب والفلك التبتي خلال لقائهم في مقر إقامته في دارا مسالا، HP، الهند في 18 أغسطس 2014″.
حاولنا الوصول إلى منظمي هذه الدورة التدريبية حتى وجدنا بيانًا منسوبًا إلى “فريق طاقة” بالتعاون مع “مركز الاستنارة للتدريب والاستشارات”، و”أكاديمية السفراء للتكوين والاستشارات والتنمية البشرية”، يعلنوا فيه عن تنظيم “رحلة تدريبية إلى الهند لدراسة الطب التبتي والتاي تشي”.
وتضمن إعلان الدورات التي بدأت في الهند 7 أغسطس الجاري، أنها من تقديم “أمهر ماسترات الطاقة التبتيين”، وبإشراف “الدكتورة مها هاشم”، كما تم وضع العديد من أرقام الهواتف داخل المملكة وخارجها.
وصلنا إلى حساب “د. مها هاشم” على تويتر وصفحتها على “فيس بوك” لنجد أنها تُعرِّف نفسها بـ”خبيرة علوم الطاقة” ومقيمة بمدينة جدة.
ووضعت المنظمة لما يسمي بالدورات التدريبية في التبت بصحبة القادة البوذيين، صورة لها بصحبة الدلاي لاما كصورة شخصية على الموقعين، كما حفلا بالعديد من الإعلانات عن دورات تدريبية في “الطاقة الحيوية” وغيرها من الموضوعات، داخل وخارج المملكة، فضلًا عن صور أخرى مع “دلاي لاما” منذ مايو الماضي.
وكانت أستاذة العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة د. فوز كردي قد نشرت الصورة وعلقت عليها بالقول: “نهاية الدورات المزعومة كفر وشرك واختلاط برعاية الراهب وصورة بوذا، شر وفتنة وبلاء دخلت مجتمعنا”.
كما علقت الأكاديمية د. غربية الغربي: “سراب الروحانيات وتنمية الذات وشحن الطاقة الروحية يوصل مسلمات إلى هذا التجمع وصورة بوذا تظلهم !!”.
وغرّد الشيخ محمد صالح المنجد، معلقًا: “خطوات إلى البوذية واستحسان وتمرير لديانة كفرية!!.. والمدربة والحضور مسلمون تتوسطهم صورة لشخصية بوذية!!.. ماتفسيرها!”.
a54fwbi0
           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

 

(الرايات السود) ومشهد المنطقة الحالك!

أنور بن قاسم الخضري
 

أحاديث الفتن أحاديث ذات شجون، وهي كغيرها من الأحاديث فيها الصحيح والحسن والضعيف، ويغلب عليها الموضوعات التي لا تصح. فقد حاول أقوام وضع كثير من هذه الأحاديث تسويقًا لفرقهم ومذاهبهم، أو طعنًا في مُخَالِفِيهم، أو إدخالًا للشكوك والظنون في الدين والطعن في نبيه وأهله.
وأحاديث ومرويات ظهور (الرايات السود) و(السفياني) من الآثار التي تعددت طرقها وألفاظها في كتب الفتن والملاحم وأشراط الساعة. وقد سعت بعض الفرق والطوائف في استغلال هذه المرويات لدعواتها ابتداء، أو في استغلال ما ورد فيها من أوصاف وأسماء لتجسيده على أرض الواقع وإسقاطه عليها، فدخل على هذه المرويات زيادات كثيرة وإضافات مختلفة.
ويرى بعض المحققين أن حديث (الرايات السود)، رغم طرقه وألفاظه بالغة الكثرة - التي امتلأ بها كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد - لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، وكذلك شأن أحاديث (السفياني)، فإنه لا يثبت منها شيء أيضا[1].
وحيث ذهب بعض العلماء إلى أنَّ ضعف الإسناد لا يقتضي على الدوام ضعف المتن، كما أنه لا يلزم - أحيانًا - من صحة السند صحة المتن؛ فقد يصح المتن مع ضعف السند لوروده من طريق آخر، أو ثبوته في الواقع العملي كما ورد؛ فإذا ورد حديث ضعيف يخبر عن وقوع شيء ما فوقع كما ورد؛ كان ذلك قرينة يتقوى بها، وإن لم يُجزَم بنسبته للرسول وبصحته؛ فإننا يمكن عقد مقاربة بين الواقع الحالي وأحاديث (الرايات السود)، لا على سبيل تصحيح السند وتكلف إثبات المتن، ولكن على سبيل إعمال العقل في تدبر الواقع على ضوء مرويات محتملة الورود.
وهنا يمكن الإشارة إلى أن أحاديث (الرايات السود) تتفق مع أحاديث الملاحم والفتن عمومًا فيما يلي:
أولا: إشارتها إلى قيام فتن داخلية عظيمة في الأمة، وصراع داخلي عنيف، يحصد الأمة ويقضي بفناء كثير من أبنائها.
ثانيا: إشارتها إلى أن أرض الشام - بما فيها فلسطين امتدادًا إلى العراق والأردن وسيناء - ، ستكون أرض ملاحم وفتن في آخر الزمان، وذكر أسماء مدنها أو حواضرها أو معالمها.
ثالثا: حضور العنصر الهاشمي باعتباره إما منقذًا أو باعثًا للفتنة.
رابعا: سرعة التحولات والتقلبات وسعة الانتشار والتأثر في الأمة.
خامسا: ارتباطها بفصيل له أثره التاريخي في مسيرة الأمة، ألا وهم الخوارج اسمًا أو صفة. ومفردة "الخوارج" في هذا الإطار لا تقتصر على الحرورية، بل يشمل كل خارج على الأمة بالسيف مستحلاً دمها وعرضها ومالها تكفيرًا لها.
وإذا ما عرفنا يقينًا بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر بجميع الفتن الكائنة بعده لأصحابه، في أكثر من موقف عام وخاص[2]، وأن بعض أصحاب الرسول - رضي الله عنهم - الذين حفظوا عنه هذه الأحاديث أمسكوا عن نشرها والتحدث بها، لعدة أسباب منها:
·        خشية أن يفتنوا الناس بها فيظلوا معلقين بترقبها، وهي أمور موكولة للقدر والمسار السنني الكوني، في حين أنهم مطالبون بالعمل والأخذ بالأسباب.
·        خشية أن تُفهَمَ خَطَأً وتُستَغَلَّ في مواجهة الآخرين استنادًا للظنون والإسقاطات المستعجلة.
·        خشية أن تُكذَّبَ وتُنكَر ممن يسمعها.
·        خشية أن يعتدى على المحدث بها إسكاتًا له.
فإننا يمكن أن نؤكد على أنه لا يبعد أن يكون لمرويات (الرايات السود) أصل جرى التحريف فيه، أو الزيادة عليه، أو إدخال إسقاطات تاريخية عليه[3]. وحيث اختلف العلماء في الأخذ بالحديث الضعيف على ثلاثة مذاهب، فمذهب يرى أنه لا يجوز قبوله ولا العمل به مطلقًا، والمذهب الثاني يرى أنه يقبل ويعمل به مطلقًا، والمذهب الثالث يرى أنه يقبل ويعمل به في الفضائل العملية والمواعظ والقصص ونحو ذلك، مما ليس له تعلق بالعقائد والأحكام، وهو مذهب جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم، فإننا في سعة من إجراء هذه المقاربة التأملية.
وإذا ما أجرينا ذات الاعتبار في أخبار أهل الكتاب على هذه الأحاديث الضعيفة، من حيث عرضها على ما ثبت لدينا صحيحًا من أدلة وأمارات، أو أصول وقواعد، أو أخبار وأحكام، فإننا يمكن أن نخرج من مزلق تصحيح الروايات لأجل قبولها، ويكفينا هنا أن نشير إلى مدى اتساقها مع المرويات المتعلقة بأحاديث الفتن وأشراط الساعة الصحيحة والثابتة لاستقراء أمرٍ محتمل تشهد له وقائع الحال ومعطيات المشاهدة.
الفتنة في المشرق:
أغلب المرويات حول الطائفة المنصورة تشير إلى أهل الشام، والشام، وبيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، وأحيانًا يطلق على هذه المنطقة في أحاديث الفتن = المغرب. وفي مقابل هذا الوصف يأتي اعتبار منطقة العراق وخراسان - التاريخيتين - مشرقًا، بالنظر إلى موقعها من المدينة المنورة.
لهذا ثبتت أحاديث كثيرة يشير فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن الفتنة في المشرق، أو من المشرق، حيث يطلع قرن الشيطان، وفي الأحاديث أنه كان يشير إلى نجد، أو العراق، فعنه عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ الفِتنَةَ تَجِيءُ مِن هَاهُنَا)، وأَومَأَ بِيَدِهِ نَحوَ المـَشرِقِ، (مِن حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ؛ وأَنتُم يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ)[4]، وفي روايات أُخَر: (قَرنَ الشَّيطَان).
وقال عليه الصلاة والسلام: (يأتي المسيح - أي الدجال - من قبل المشرق) الحديث[5]. وعنده أيضا أنه قال: (إنَّ الدجال يخرج من أرض بالمشرق يُقالُ لها: خُراسان)[6].
 وفي بعض الروايات - وإن كان فيها مقال - يربط الرسول - عليه الصلاة والسلام - بين الخوارج وظهور الدجال والمشرق: (سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قطع)، حتى عدها زيادة على عشرة مرات، (حتى يخرج الدجال في بقيتهم)[7]!
وفي بعض الأحاديث يشير الرسول الكريم إلى أنَّ: (رأسُ الكُفرِ قِبَلَ المـَشرِقِ)[8]!
ومرويات الرايات السود - باعتبارها فتنة كما سيأتي معنا - تشير إلى ظهورهم من المشرق تارة، ومن خرسان تارة، وهذا يتفق مع ظهور فرق الخوارج - الحرورية والرافضة - التي ظهرت من هذه الجهة. غير أنه جرى في بعض المرويات - رغم ما في بعضها الآخر من ذم - الإشارة إلى أن المهدي سيكون فيها، وأنه يجب اتيانها ولو حبوًا على الثلج، ما يدل على أنَّ التحريف دخل على هذه المرويات على عكس ما يُشعِرُ كثيرٌ من ألفاظها بأنها رايات فتنة[9]. ففي المرويات: أنها تطلع، أو تجيء، أو تخرج من (قِبلِ المـَشرِق)، أو مِن (خُرسَان)؛ وأن أعمال هذه الرايات هي القتل وسفك الدماء: (فيَقتُلُونَكُم قَتلاً لم يَقتُلَهُ قَومٌ)، (فتَستَبيحُهُم)، (يَقتُلُونَ أَعلامَ ذلك الزَّمَان، حتى يهربوا منهم إلى البرية)[10]، (يَسِيلُونَ عليكم سَيلاً) وفي هذا إشارة لسرعة انتشار ضررهم، وسوف يصيب الناس منهم شقاء عظيم، حتى يبلغوا دمشق أو المغرب - يعني الشام[11] فترفع عنها الرحمة، لكثرة ما يقع عليهم من السيف (ثم تعاودها الرحمة، ويرفع عنهم السيف)!
وهذا القتل الذي تشير إليه الروايات إنما هو لما يتمتعون به من غلظة وفظاظة: (قلوبهم كزبر الحديد)، (ليست لهم رأفة ولا رحمة على عدوهم)، وفي روايات أخر:(شديدة رقابهم)[12]! وهذا يتناسب مع وصف الخوارج الذين لا يرحمون أهل الإسلام ويضعون السيف فيهم، ظنا منهم أنَّ هذا هو الجهاد الحق. لذلك جاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (يَقتُلُونَ أَهلَ الإِسلاَمِ ويَدَعُونَ أَهلَ الأَوثَانِ، لَئِن أنَا أَدرَكتُهُم لَأَقتُلَنَّهُم قَتلَ عَادٍ)، صحيح البخاري. ومعلوم أنهم يقتلون أهل الإسلام بتأويل فاسد، في حين أنهم يتركون العدو البيِّن. لذلك جاء الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات لكبار الصحابة بقتل رجل منهم، كان يصلي، فتهيبوا لذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (لَو قُتِلَ مَا اختَلَفَ رَجُلانِ في أُمَّتِي حَتَّى يَخرُجَ الدَّجَّالُ)[13]، وفي رواية: (والذي نفس محمـد بيده، لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها)[14].
فتنة عمياء
يظهر لي - والله أعلم - أنَّ مفهوم (الرايات السود)، وُظِّفَ تاريخيا لصالح بعض الدعوات، واتُّخِذَ شِعَارًا، في حين أنَّ ظاهر النص قد لا يراد لذاته. فالراية لا تمدح أو تذم - في الشرع - لألوانها، وإنما لكونها رايات حق وعدل أو باطل وظلم، ولعلَّ المشار إليه في مرويات الحديث هو الأمرين معا؛ فهي رايات سود ظنًا منهم أنها اتباع ظاهر للنص، ورايات سود من حيث أنها "رايات عِمِّيَّة"، تفتح على الأمة باب فتنة وضلالة. لذلك جاء في بعض الألفاظ: (إن أولها فتنة، وأوسطها ضلالة، وآخرها كفر)!
ولذلك روي في شأن الفتن التي تكون بين الأمة بأنها "فتن كقطع الليل المظلم"، وهذا خلاف الجهاد مع الأعداء - الكفار الظاهر كفرهم باتفاق - فإنه لا يوصف بأنه فتنة مطلقًا. فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم، فليكن كخير ابني آدم)[15]. والكفر في الفتنة هو ضرب رقاب المسلمين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تَرتَدُّوا بَعدِي كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ)[16].
ولهذا جاء في ألفاظ بعض الروايات أنهم (يسألون الحق) وفي رواية (العدل)، وفي أخرى (الخير)؛ وهذا دأب الخوارج منذ طليعتهم - ذي الخويصرة الذي طالب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعدل، والحرورية الذين رفعوا شعار (إن الحكم إلا لله)! فقضيتهم وإن بدت عادلة من خطابهم، لكنها مُفرَغَةً مِن المضمون. ولعلَّ رفض الناس لمطالبهم، ومنعهم ما يسألونه، يرجع لكونهم ينزلون الأمور في غير مواضعها تكلفًا، لذلك جاء في بعض الروايات: (فلا يُعطَونَه)، مرتين أو ثلاثًا، أي أنه تتكرر مطالبتهم، ويتكرر رفض المسلمين لهذه المطالب، وهذا الامتناع عن النزول إلى مطالبهم يقودهم إلى القتال واستباحة الدماء: (فيُقَاتِلُون فيَنتَصِرُون)، فإذا ما انتصروا: (فيُعطَونَ مَا سَأَلُوا) لكنهم (لا يَقبَلُونَه)! وهي عادة الخوارج أنهم لا يقبلون توبة الناس، ولا يأخذون العذر منهم، لذلك فهم لا يقبلون الحق أو العدل أو الخير بعد أن يعطوه!
وظاهر من المرويات أنَّ بدايتهم ستكون بسيطة، فهم (لا يُؤبَهُ لهم) كما في بعض الروايات، وفي بعضها: (قوم ضعفاء يجتمعون)، لكنهم لقوة بأسهم يفتتحون المدن فتفتح عليهم، وكما جاء في بعض الألفاظ: (يؤيدهم الله بنصره)، وهو تعبير لا يتفق مع مسار التحذير، والأظهر أنه روي بالمعنى، والأقرب منه أنَّه (لا تزال الرايات السود ظاهرة على من ناوأهم)، أو (في أسنتها النصر)، ولا يلزم من ذلك التأييد الإلهي الذي يشير لرضى الله عنهم؛ لذلك جاء في ذات الروايات: (فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم)، أو (فيقاتلونكم قتالا لم يقاتله قوم). وهذا يدل على أنَّ سيفهم سيكون وبالا على الأمة لا من أجلها!
لذلك جاء في بعض المرويات: (فالزموا الأرض فلا تحركوا أيديكم[17] ولا أرجلكم)، وهي إشارة تناسب توجيهات أخرى حذر فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أن يكون المرء مشاركًا في الفتنة بلسانه أو يده، أو أن يكون ساعيًا فيها أو ماشيًا[18]. وليس المقصود - والعلم عند الله - عدم مدافعتهم، بل عدم اتباعهم فيما هم عليه، وإلا ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - دعوته لقتال الخوارج، وتوعده إن أدركهم أن يقتلهم قتل عاد[19]! كما ثبت عنه امتداحه لمن قتلهم وقتلوه: (طوبى لمن قتلهم وقتلوه)[20].
من المحتمل أن تدوم فتنة (الرايات السود) وتأخذ حظها في الأمة، حتى تكون لهم دولة وكيان، وسيصيب الأمة منهم كرب عظيم، حتى يخالف الله كلمتهم ويقع السيف بينهم - كما جاء في المرويات. ومن تتبع فرق الضلال والباطل - التي حملت السيف على الأمة من فرق التشيع والخوارج والباطنية - يجد أنها استطاعت إقامة دولها بالسيف؛ وأنَّ زوال دولها كان ابتداؤه خلافهم وافتراقهم واقتتالهم فيما بينهم، فمناهجها العقدية والفكرية والسلوكية تحمل بذور تدميرها في ذاتها.
جاء في بعض الروايات: (فيطول أمرهم ومدتهم)، وفي رواية: (فلا تزال دولتهم حتى يظهر النجم ذو الذناب، ويختلفون فيما بينهم)، وفي أخرى: (يبايع لغلامين منهم، فإذا أدركا اختلفوا فيما بينهم)، وفي بعضها: (حتى يختلفوا فيما بينهم)، أو (يخالف بعضهم بعضا)، وبعضها يربط هذا بتحول في الشام: (فيطول اختلافهم حتى ترفع بالشام ثلاث رايات، فإذا رفعت كان سبب انقطاع مدتهم).
وأيًّا كان الأمر،؛ فأهل الأهواء يسلط عليهم المولى تعالى ذات سيف البغي والعدوان الذي يرفعونه على الأمة؛ فيذيق بعضهم بأس بعض بما كانوا يظلمون، فهذه العلامة على فنائهم تتسق مع الأخبار النبوية الأخرى، ومع سنن الله تعالى في البشرية، ومع الخبرة والتجربة الإنسانية التي سجلها علماء التاريخ لهذه الفرق عبر عصور الإسلام.
غير أنَّ بعض الإشارات تشير إلى أنَّ لهم دولة أخرى ستقام في المغرب[21]، وأنَّ كلا منها - فيما يظهر - سيتسمى بالخلافة أو إمارة المؤمنين، وأن نزاعا ربما ينشب بين هاتين الدولتين رغم اتفاق دعواهما.
هل المرويات تقترب من واقعنا اليوم
منذ نهاية تسعينيات القرن المنصرم شهدت ساحات الجهاد في أرض أفغانستان مولد "تنظيم القاعدة"، الذي أسسه عدد من المجاهدين العرب الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني، ومنذ ذلك الحين تصدر هذا التنظيم - الذي تحول إلى شبكة واسعة من التنظيمات المصغرة العابرة للحدود - المشهد الإعلامي حول صورة الجهاد ونصرة قضايا الأمة. ولا يخفى على المتابع أن هذا التنظيم أَخرَجَ، لعوامل عِدةٍ، رؤيةً فكريةً خاصةً به تتعلق بالجهاد وتطبيقاته. صاغت هذه الرؤية مرجعيات مختلفة التأصيل، إلا أنها في غالبها تميل للتشدد والغلو والتطرف. وشيئًا فشيئًا تحول التنظيم من فكرة مواجهة الأعداء المحتلين للأمة من الخارج إلى الأعداء الداخليين، باعتبارهم الجدار العازل لهذا العدو، وبهذا اتجهت كثير من مسائل التنظير لتقعيد مسائل تتعلق بتكفير المسلمين، واستحلال دمائهم، وأخذ هذا التنظير يمارس على أرض الواقع من خلال أعمال تستهدف قوى عسكرية وأمنية، وقبائلية عشائرية، وحزبية وفكرية، ومراجع دينية.
ومع ضراوة المعركة مع هذا التنظيم، وشراسة الهجوم عليه من قبل الأنظمة؛ ومع الاستنكار الذي يوجه له، رغم يقينه بعدالة قضيته وصوابية مساره؛ أصبحت قيادات عدة في التنظيم، خلافًا للقيادات القديمة، ترى أن جزءًا من معركتها يجب أن يتجه نحو التيارات الإسلامية التي تقف مخالفة لها، ومنددة بأعمالها، في حين تمد يدها للأنظمة أو تقف في صفها!
وهذه القيادات هي التي دفعت شيئًا فشيئًا إلى بروز "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والتي انتهى شأنها إلى "دولة الخلافة الإسلامية"، وشأن أميرها إلى "خليفة" للمسلمين، واجب السمع والطاعة! وهذا تحول خطير لم يدركه كثير من المتابعين في مسيرة القاعدة التاريخية، حيث ابتدأت كحركة مناصرة للشعوب المسلمة المحتلة، وتنظيم يسعى لرد العدوان والدفاع عن المسلمين، ومقاومة تقف أمام الغزو الأجنبي للأمة، إلى مشروع سياسي يستهدف إقامة دولة إسلامية وفق رؤيته، بعيدًا عن قبول الحاضنة الشعبية والاجتماعية المضيفة له، بكل أطيافها ومكوناتها.
وبعيدًا عن فقه التغيير، والعمل الإصلاحي العميق والمتجذر في الأمة، وتوسيع قناعة القبول لدى الأمة، والتدرج معها، يأتي فرض الرؤية العقدية والفكرية والنموذج التطبيقي الخاص بالتنظيم، الذي فقد كثيرًا من مرجعياته الشرعية والدعوية نتيجة الأخطاء ومظاهر الغلو والتطرف التي باتت تسيطر على قياداته العملية والمرجعية، وفي ضوئها يتم تصنيف الناس وتطبيق مبدأ الولاء والبراء ولوزامه العملية عليهم!!
وهنا تواجهنا هذه الرواية - رغم ضعفها: (إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض، فلا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يَدعُون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى، ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء، حتى يختلفوا فيما بينهم، ثم يؤتي الله الحق من يشاء). ومعلوم أنَّ ابتداء القاعدة هي رايات سوداء كتب عليها: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وجميع هذه الصفات حقيقة قائمة في غالبية منتسبي التنظيم، إلى حين أعلن "الدولة الإسلامية". فليس لهم أسماء يعرفون بها إلا الكنى، نتيجة مطاردتهم أمنيًا، وتتبعهم استخباريًا، ولما جرت عليه عادة المجاهدين في مراحل معينة. كما أن نسبتهم إلى بلدانهم وقراهم أكثر منها إلى عشائرهم وقبائلهم، وفي بعض المرويات (قبائلهم - أو أنسابهم - القرى). وهم يرخون شعورهم بشكل ظاهر، وفي رواية: (شعورهم إلى المناكب)!
ومن الطبيعي والحالة هذه، وقد رأى كثير من محبي الجهاد ومنتسبي القاعدة قيام دولة إسلامية تعلن سيطرتها على مساحات من أرض الشام، وتطبق الشريعة، أن يحافظوا على هذا المكتسب ويقاتلوا عليه قتالًا عنيفًا، فقد تحقق حلمهم الذي طالما تغنوا به ونافسوا عليه الجماعات والحركات الإسلامية التي تنشد الأمر ذاته - وإن كان بصورة وآلية مختلفة.
ولا غرابة إذًا أن يكون شعارهم كما في رواية: (أمت أمت)! وأن (لا يردها - أي: راياتهم - شيء)! وأن يقتل كل (عدو لهم)! فالقضية لديهم قضية فريضة وواجب ديني، وحلم وأمل منشود ضحوا من أجله لعقود، وواقع سيجدون في ظله أمنًا وطُمَأنينة ومجالًا لإكمال طموحهم نحو الخلافة الإسلامية[22].
وهنا يمكن القول بأنه تغيب الرؤية الشرعية المعتدلة والعقل المتزن، كما جاء في حال من وصفهم رسول الله في حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه، وفيه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخاف عليكم الهرج)، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: (القتل)، قالوا: وأكثر مما يقتل اليوم إنا لنقتل في اليوم من المشركين كذا وكذا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس قتل المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا)، قالوا: وفينا كتاب الله؟ قال: (وفيكم كتاب الله عز وجل)، قالوا: ومعنا عقولنا؟ قال: (إنه ينتزع عقول عامة ذلك الزمان، ويخلف هباء من الناس يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء)[23]. فيؤخذ الإنسان بغير جريرة، كما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي أن يؤخذ الرجل منكم البريء فيؤشر كما تؤشر الجزور، ويشاط لحمه كما يشاط لحمها، ويقال عاص وليس بعاص"[24].
أما الجديد في المشهد؛ هو أنَّ أثرًا ينسب إلى علي - رضي الله عنه - يشير فيه إلى كون قيادة هذه الفئة ستكون في شخص من نسله. وفيه: (يرسل الله على أهل الشام من يفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، وعند ذلك يخرج رجل من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: خمسة عشر ألفا، والمقلل يقول: اثنا عشر ألفا، أمارتهم: أمت أمت، على راية منها رجل يطلب الملك، أو يبتغي له الملك، فيقتلهم الله جميعا، ويرد الله على المسلمين ألفتهم وفاضتهم وبزازتهم). قال ابن لهيعة، وأخبرني إسرائيل بن عباد، عن محمد بن علي، مثله، إلا أنه قال: (تسع رايات سود). وبهذا سيكون التجديد في فتنة "الدولة الإسلامية" اتخاذ العلوية شعارًا على غرار "الإمامة" عند الطوائف الشيعية!
في حين تشير مرويات أخر إلى أن نهايتهم هي على يد هذا العلوي الهاشمي: (حتى يدفعوها [وفي رواية يدفعونها] إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطًا [وفي رواية عدلًا، وفي رواية قسطًا وعدلًا]، كما ملئوها جورًا [وفي رواية ظلمًا، وفي رواية ظلمًا وجورًا]).
ويبقى أن نشير إلى أنَّ موجة الدعوة العلوية بدأت ترتفع في الأمة مجددًا، في تصديق لخبر الهادي المعصوم حول فتنة السراء، والتي يكون: (دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، إنما وليي المتقون)! وهي ذات الحال التي شهدتها الأمة في قرون سابقة وأفضت بها للاحتراب والاقتتال الداخلي وتغلب الأعداء عليها، فوضع فيها السيف ولم يرفع عنها حتى اليوم[25].
والأيام كفيلة بتجلية الصحيح من غيره؛ وسيقضي الله أمرًا كان مفعولًا ..


[1] جاء في مرويات "الرَّايَاتُ السُّودُ" الإشارة إلى "خُرَسَان" و"الفُرس"، ودولة بني العباس، والمهدي، ويظهر جليا أنَّ غالبية هذه المرويات مكذوبة، كونها تجعل للفرس دورًا في نصرة المهدي، وأنَّ ظهوره منها، وأنها تمثل دولة العدل وإنصاف آل البيت. ولذلك فغالبية هذه الروايات يأنس بها الشيعة ويروجونها بإضافات وزيادات كثيرة مكذوبة. وفي المقابل فهي تجعل الهزيمة لأهل المغرب "الشام" وتذم "السفياني" والذي يظهر في هذه الروايات كشخصية مصطنعة تشير إلى بني أمية، أو أعداء آل البيت. وعلى العكس تمامًا فإن من المعلوم من الأحاديث الصحاح أنَّ غالبية أحاديث الفتن تبشر بأثر الشام والحجاز واليمن في المعارك الكبرى، وتجعل فارس والروم محلًا للقتال والفتح مجددًا؛ وأنَّ أغلب التحذير والتشاؤم الوارد في الأحاديث يشير إلى المشرق، أو نجد، أو جهة خرسان.
[2] جاء عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: "والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة، فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرَّ إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله قال: وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، أو - وهو يعد الفتن: (منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار). قال حذيفة: "فذهب أولئك الرهط كلهم غيري". رواه مسلم.
[3] لم انشغل كثيرًا بتخريج المرويات في هذه الورقة نظرا لأن كلام أهل العلم حولها يتفق غالبه على ضعفها سندًا، ولكن جهدي اقتصر على تتبع واستقراء الألفاظ التي وردت في هذه المرويات أيًا كان الحكم عليها.
[4] رواه مسلم: 2905.
[5] رواه مسلم: 1380.
[6] رواه أحمد في مسنده؛ والحاكم في مستدركه، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد.. ولم يخرجاه؛ ووافقه الذهبي.
[7] وفي رواية: (حتى يخرج الدجال في نفسهم). انظر الحديث: في مسند أحمد، ومصنف أبي شيبة، ورواه الحاكم في مستدركه وقال عنه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه فقد اتفقا جميعا على أحاديث موسى بن علي بن رباح اللخمي، ولم يخرجاه.
[8] رواه مسلم: 52.
[9] وبعض الروايات تشير إلى أن المهدي سيخرج على إثرهم! وعلى أنه سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأوها ظلما وجورا!
[10] يروي بعض الأشخاص أن بعض العلماء والدعاة والمجاهدين فروا من الفتنة الواقعة في العراق والشام لا من النصارى وأذنابهم من الرافضة ولكن من جماعات الغلو والتطرف! وأنهم هربوا مستخفين لأنهم لا يقيمون لهم حرمة، ولا يرون لهم عذرا، ويستبيحون دمائهم بأدنى الشبه!
[11] جاء عن أبي أمامة أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق"، رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن، وأحمد واللفظ له، وفيه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالشام).
[12] لم أجد من تحدث عن هذا الوصف، فهو تركيب لغوي ظاهره أنَّ رقابهم قوية، أما إذا أريد منه معنى مجازي فإنَّ الرقبة يعبر بها عن الإنسان نفسه، من باب تسمية الشيء ببعضه، فيكون المعنى أنهم أهل شدة في نفوسهم. وقد يكون المعنى المجازي للرقبة هنا الغِلُّ، وهو من باب إطلاق اللفظ وإرادة المجاور لها أو محله، وقد استخدم في القرآن: ((فك رقبة))؛ فيكون المعنى شديدة أغلالهم التي فرضوها على أنفسهم حتى استعبدتهم، دونما تكليف من الله.
[13] رواه أبو يعلى في مسنده، وذكره الآجري في كتاب الشريعة، وحكم حسين سليم أسد بضعف إسناده.
[14] رواه أحمد في مسنده، وقال شعيب الأرنؤوط - ومن معه من محققي المسند: رجاله رجال الصحيح، لكن في متنه نكارة، وقد تفرد به مسلم بن أبي بكرة عن أبيه، وعثمان الشحام عن مسلم بن أبي بكرة، وعثمان وثقه غير واحد، لكن قال فيه يحيى القطان: تعرف وتنكر، ولم يكن عندي بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي، مع أنه قال فيه في موضع آخر: ليس به بأس. وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (938)، من طريق روح بن عبادة، بهذا الإسناد.
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل: (إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم..)، وذكر حديث الخوارج. وإسناده ضعيف.
وعن أنس عند البزار (1851 - كشف الأستار)، وأبي يعلى (90) و(3668) و(4127) و(4143)، والبيهقي في "الدلائل" (6/287 - 288)، وأبي نعيم في "الحلية" (3/52 و226). وطرقه كلها ضعيفة.
وعن جابر بن عبد الله عند أبي يعلى (2215)، ورجاله رجال الصحيح.
ورابع من مرسل عامر الشعبي عند سعيد بن يحيى الأموي في "مغازيه"، أورده الحافظ في "الفتح" (12/299)، وفيه أن الرجل الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله اعترض عليه في قسمة الغنائم، وقال: إنك لتقسم وما نرى عدلا.
قوله: "أرعدت" قال السندي: على بناء المفعول، أي: أخذها الاضطراب. وقوله: "لكان أول فتنة وآخرها"، أي: لما وقعت بعده فتنة.
وقد أورد الحافظ شواهد الحديث في "الفتح" 12/299، واستدل بها على أن هذا الرجل الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله هو ذو الخويصرة - أو ابن ذي الخويصرة - التميمي الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف: "إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. "، وذكر الحديث.
وقد سلف ذكر أحاديث هذا الباب عند حديث عبد الله بن عمرو السالف برقم (7038).
قلنا: وقد جاء في هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل هذا الرجل عندما استأذنه بعض أصحابه في ذلك، وهو الصحيح في هذا الباب، وهذا يخالف ما في حديث أبي بكرة من إذنه صلى الله عليه وسلم بقتله.
وسلف من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي برقم (16160) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل، ثم رجع عن ذلك ردا للأمر إلى ظاهره، لكون هذا الرجل كان يشهد أن لا إله إلا الله، وقال السندي في ذلك الحديث: الأقرب أن يكون أمره صلى الله عليه وسلم بقتله عملا بباطن الأمر، ثم ترجح عنده العمل بالظاهر لكونه أعم وأشمل له ولأمته، فمال إليه وترك العمل بالباطن. قلنا: وقد يحمل حديث أبي بكرة على ذلك إن صح، والله أعلم. أ. هـ.
وقال الشيخ الألباني في تخريجه لكتاب "السُّنَّة" لابن أبي عاصم: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال مسلم، غير شيخ المصنف، وهو الحسين ابن محمد بن شنبة أبو عبد الله البزار وهو ثقة.
والحديث أخرجه أحمد (5/42): ثنا روح عن عثمان الشحام به؛ وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي (6/225): رواه أحمد والطبراني من غير بيان شاف ورجال أحمد رجال الصحيح.
قلت: ثم روى أحمد (5/44) بإسناده المذكور المتن الذي قبله مثله إلا أنه قال: (فأنيموهم فالمأجور قاتلهم). أ. هـ.
[15] رواه ابن ماجة، وصححه الألباني. وفي بعض ألفاظ الحديث عند الإمام أحمد - في مسنده - قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (كونوا أحلاس بيوتكم)، وهو عند الحاكم، وقال عنه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي لفظ آخر: (والزموا أجواف بيوتكم). وهنا نكتة أن الإمام أحمد روى بسنده عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس، كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية، فخرج عبدالله بن خباب، ذَعِرًا يجُرُّ رِدَاءَه، فقالوا: لم تُرَع؟ قال: والله لقد رعتموني. قالوا: أنت عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فهل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله تحدثناه؟ قال: نعم، سمعته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي)، قال: (فإن أدركت ذاك فكن عبدُ الله المقتول)، قال أيوب: (ولا أعلمه إلا قال: ولا تكن عبدُ الله القاتل). قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله؟ قال: نعم. قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل ما ابذقر، وبقروا أم ولده عما في بطنها.
[16] رواه البخاري ومسلم، وهذا اللفظ عند البخاري، وعندهما (لا ترجعوا) بدل (لا ترتدوا).
[17] فيه إشارة لعدم حمل السلاح والقتال فيها، جاء عند الحاكم عن الفتن، أن الرسول أوصى صحابته في هذه الفتن بقوله: (كُفَّ نفسك ويدك وادخل دارك)، وهو يناسب المعنى الوارد المذكور.
[18] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِن القَائِمِ، والقَائِمُ فِيهَا خَيرٌ مِن المـَاشِي، والمـَاشِي فيها خَيرٌ مِن السَّاعِي، ومَن يُشرِف لها تَستَشرِفهُ، ومَن وَجَدَ مَلجَأً أو مَعَاذًا فليَعُذ بِهِ)؛ رواه البخاري.
[19] انظر حديث البخاري (3344)، ومسلم (1064)، في شأن الرجل الذي اعترض قسم الرسول - صلى الله عليه وسلم، وقال له: "اتق الله يا محمد"!
[20] انظره في مسند أحمد (1302)، تخريج أحمد محمد شاكر؛ وفي مستدرك الحاكم: (وهم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم).
[21] هذا يتسق مع حالة الانتشار التي تلقها الأفكار المتطرفة في كل من ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وغيرها. حيث أصبح لديها حضور مسلح وقوي يهدد استقرار المنطقة، ويمكن أن يفاجئ المنطقة بتحول سريع على ميدان الأرض!
[22] جاء في حديث لأبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تقوم الساعة حتى..، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: (القتل)؛ رواة البخاري ومسلم. وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يقتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وأخاه وأباه)، رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: (رقم 3185). وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه، فيما يرويه عن الرسول في الخلال السِّت التي تكون بين يدي الساعة: (وفتنة تكون بينكم لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته). رواه البخاري. وعند ابن حبان: (ثم فتنة تكون بينكم حتى لا يبقى بيت مؤمن إلا دخلته). وعند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ست من أشراط الساعة)، وذكر: (وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم).
[23] رواه الحاكم في مستدركه.
[24] رواه الحاكم في مستدركه.
[25] وهذا مصداق حديث الرسول الكريم: (إذا وُضِعَ السيفُ في أُمتي لم يُرفَع عنها إلى يومِ القِيَامةِ). وهو عند أبي داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان والحاكم، وغيرهم.

http://nama-center.com/m/ActivitieDatials.aspx?ID=10436#.U-DyFcYS2u4.facebook
           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

  ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب في تقرير راند
 

موقع المثقف الجديد – عبدالواحد الأنصاري :

لا أحد يجهل قصة تقرير راند الأمريكي الذي طبقت شهرته الآفاق وعرف عنه القاصي والداني، فهو إذن لا يحتاج إلى مقدّمة ولا إلى تعريف، بيد أن ما يحتاج إلى تسليط الضوء عليه هو الفهم القاصر لهذا التقرير، أو تصوره على مدى محدود.

ولبيان ما تهتم به هذه القراءة فلا بد من وضعها في مقدمتين، وقراءتين استشرافيتين.

المقدمة الأولى: هي أن الغرب منذ بدئه بذر جهده الاستشراقي والاستعماري , وحتى حصاده كان يدرك أنه لا يمكن الفصل بين المجهود الاستشراقي والاستعماري، في حين أن الدول الإسلامية تعيش حالة من الغيبوبة عن هذه النقطة، فهي تتسامح كثيراً مع القضايا الاستشراقية أكثر مما تتسامح مع القضايا الاستعمارية، بيد أن الأولى مطية الثانية، وقد تأتي الثانية لكي تفرض بها الأولى، تمهيداً لإنتاج الثانية بالصورة المثلى التي تطمح إلى تحقيقها.

المقدمة الثانية: هي أنّ الغرب كان سريعاً بل متسارعاً في بث الفرقة السياسية في العالم الإسلامي من الناحية الجغرافية والسياسة، وكانت وتيرة بثه الفرقة بين المسلمين من الناحية العقديّة أقل تسارعاً، وإنما كان ينصبّ سعيه الاستشراقي في بث الشبه والطعن في التراث الإسلامي، ودعم التوجهات الفكرية والمذهبية المارقة عن أهل القبلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.. لكن وتيرته بدأت تتسارع في بث الفرقة بين التيارات والمناهج الإسلامية خصوصاً في الآونة الأخيرة، بصورة تتناسب مع ما يمهّد له من مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يرغب في بنائه على أطلال حرب فكرية وعقدية ضخمة تفت في أعضاد المسلمين وتفرق بين قلوبهم، حتى يسهل بعد ذلك تحويل دويلاتهم إلى دويلات صغيرة، وبدلاً من أن تكون ثمة دويلة سنية وأخرى علمانية وأخرى خارجية، فإنه يطمح إلى أن تنقسم الدويلة السنية الواحدة إلى أربع أو خمس دول كلها تدعي الانتماء إلى مذهب أهل السنة والجماعة، لعل ذلك يفضي إلى القضاء على أهل السنة والجماعة قضاء مبرماً، في المرحلة اللاحقة لذلك.

القراءة الاستشرافية الأولى:

ليس من الخفيّ أن تقرير راند أسس لمشروع الشرق الأوسط الجديد تأسيساً مبنياً على بث الصراع بين جميع أطياف التوجه الإسلامي في العالم الإسلامي، وقرّر أنه لا بد من دعم التقليديين من أجل محاربة الأصوليين، ولا بد من دعم التجديديين في وجه التقليديين، ولا بد من دعم المنفتحين في وجه التجديديين، وبالتوازي مع ذلك فلا بد من دعم التصوف لبث الخرافة والدروشة في هذه المجتمعات، ليكون في كل ركن من البيت طائفتان تقتتلان، ثم تتحول المنتصرة منهما إلى طائفة تقاتلها طائفة أخرى، وهكذا دواليك... لكن الذي غفل عنه أكثر القرّاء المستشرفين لتقرير راند هو أن الغرب لم يكن فقط يسعى إلى بث الصراع بين الأطياف الموجودة، وإنما كان قصَد وصَمَد –وقد بدأت بوادر ذلك تظهر جلية الآن- إلى إيجاد أطراف أصولية شديدة التطرف داخل التيارات المتطرفة، من أجل بث الاحتراب فيها، فهو يوجد في التكفيريين مَن هو يكفر المكفرين، ثم يوجد بعد ذلك في مكفريهم من يكفر الجميع، وهو النموذج الشاذ الغريب الذي كان رآه وشهد عليه -في السجون- بعض المساجين في مصر في العقود الماضية وسموه باسم "السوبر تكفيري".

وبالجهود الاستخبارية المتسايرة جنباً إلى جنب مع الجهود الفكرية ينشط التشدد ويتسرب، وينطلق لينتشر في جميع أقطار الدنيا، ويصبح كل شخص سواء كان ملحداً أم علمانياً أم مصرّاً على الكبائر أم طالب علم... يصبح كل أولئك جنوداً محتملين لنظرية التكفير والتفجير. والمتابع الحقيقي للأحداث لا يمكنه أن يصف هذا الأمر بأنه نتيجة عفوية للأحداث والفوضى، فليس من المعقول أن تظهر أطياف من القاعدة تكفّر الظواهري، وتبدّع الملا عمر، وتكفر من لا يكفر بتكفيرها، ثم تظهر بعد ذلك أطياف من تنظيم داعش تكفر دولته وتسميها الدولة الجهمية الكافرة!.. هذا الأمر لا يمكن أن ينتج بهذه السرعة عن إشكالات فكرية أو شبهات تعرض للتكفيريين بحيث تنتهي إلى أن يكفر بعضهم بعضاً ويبيح بعضهم دماء بعض، بل لا بد من أن ثمة "سبئيين" جدداً، تديرهم استخبارات عالمية إدارةً محترفة حقاً، وهم يؤسسون وينشئون مزيجاً وخليطاً من الأفكار والمذاهب الفاسدة ويغذون بها الحركات المتطرفة، حتى يشيع التكفير والقتل في كل مكان، وفي كل موطئ قدم، ولا يكون لأحد منه مفرّ ولا مهرب، تمهيداً لأن تضطر الشعوب بأنفسها إلى قبول العولمة العلمانية الإلحادية الشاملة، التي يعمل الغرب ليلَ نهار على جعلها البديل النهائي عن الدين الحنيف في جميع الدول الإسلامية.

فالمجتمعات الإسلامية إذا حوربت الآن في دينها حرباً –على المكشوف- فإنها ستعود إلى التمسك به، لكن إذا بثثنا الدين ونشرناه بالصورة التكفيرية والتفجيرية وبقطع الرؤوس المتعمد فإن ذلك، جنباً إلى جنب مع تحريض الشعوب على الحروب الأهلية فيما بينها على مطامعها الدولية، ذلك سيؤدي حتماً إلى تسهيل إشاعة نظريّة الثورة الفرنسية في الشعوب المسلمة واعتناقها لها، وهي: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".

القراءة الاستشرافية الثانية:

يقول شيخ الإسلام ما معناه: الباطل إذا تصوره الإنسان ظهر له بطلانه.

ويقول محمد بن عبدالوهاب ما معناه: الواحد من عوام المسلمين يغلب الألف من علماء المشركين.

والمقصود من إيراد هاتين العبارتين أن أهل الباطل لا يحرصون على تبسيط باطلهم ولا على تمكين الناس من تصوّره التصور الواضح، لأنه بمجرد أن يصبح بسيطاً واضحاً يتبيّن بطلانه، والخليقة التي فطرها الله على الإيمان تأبى أن تُجمع بجبلّتها وعقلها على قبول هذا الباطل والخضوع له، ولا بد في كل أمة ودولة من خيار ومعادن، فكيف يتصرف الغرب؟

الغرب يعلن عن مشكلة، وعن حل، وعن هدف، وكل هذه مناورة ومراوغة، في حين أن هدفه البسيط الواضح يحجبه بآلاف الحجب، ويصرف عنه بكل ما يستطيعه من الصوارف.

فالهدف الحقيقي للغرب هو القضاء على الإسلام الصحيح، ولكي يستطيع القضاء على الإسلام الصحيح فلا بد له من القضاء على شخصيتين اثنتين وتراثهما ورسالتهما في العالم، وهما:

شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية.

والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب التميمي.

فكل من يقرأ تاريخ صراع الحضارات ويعيه حقاً فهو يدرك أن الصراع القائم حالياً بين الحضارات يدور حول أفكار بضع شخصيات في التاريخ الحديث ليس إلا، أبرزها: مارتن لوثر، وماركس، وهرتزل، وابن تيمية، وابن عبدالوهاب، والخميني.

فيندر أن يكون هناك صراع حضاري إلا ويستمد قواه وآلاته الفكرية من أحد هؤلاء الستّة.

وكما هو معلوم: فإن تراث شيخ الإسلام وابن عبد الوهاب المبنيّ على المحجة البيضاء والوحي الإلهي الذي هو خاتمة الرسالات، لا يمكن القضاء عليه بالحجة والبرهان، فلم يبق إلا استخدام أقدم وسيلة عند أهل الكنيسة ضده، وتعود إلى ما قبل عصور الاستشراق والاستعمار، وهي وسيلة المشركين جميعاً، وهي "التقبيح والتشويه"، لكن بتقنية جديدة، تساعد عليها الاستخبارات العالمية وتؤزها أزّاً، وهي: أن هذا التشويه، بدلاً من أن يكون على ألسنة قساوسة الصليب ومقاتليه، فليكن على أيدي رجال ينتمون إلى الإسلام والتوحيد والجهاد ومذهب أهل السنة والجماعة، وجميعهم يدّعون الانتساب والاقتباس من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب.

ولأن الشيء بالشيء يتميّز، فهذا أحد الأمثلة:

كما أن الجبهات والتنظيمات الجهادية في سورية وفي العراق كلها تدعي الوصل بأسامة بن لادن والزرقاوي وأبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي، مع أنها يضلل بعضها بعضاً، ويكفّر بعضها بعضاً، ويقاتل بعضها بعضاً، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى كشف الغلو عند جميع هذه الجبهات والتنظيمات التي تعتنق هذه الأدبية، ومما لا شك فيه أنه يسيء إلى أدبيّاتهم ويشوهها –بقطع النظر عن كونها صواباً أو خطأ-.. فكذلك الأمر مع هذه الأطياف الكثيرة المتباينة من المنتسبين إلى مدرسة شيخ الإسلام والإمام المجدد، اللذين نجد أن: مكفري داعش، وداعش، والنصرة، والجبهة الإسلامية، والقاعدة، وأنصار السنة، والتوحيد والجهاد، ومن يصفهم البعض بالسرورية، والجامية، والسلفية العلمية... كل هذه الأطياف إنما تتنازع الانتماء إلى هذين الرمزين العظيمين، وكل منها يتهم خصومه بأنهم لا يحسنون قراءة تراثهما، أو أنهم أخطؤوا في استكناهه، أو كانوا انتقائيين في العزو إليه... إلى غير ذلك.

وكل الذي ينشده الغرب، امتداداً لتقرير راند، بل امتداداً لمشروعه الاستشراقي الاستعماري المديد، هو أن يتوصل بذلك إلى تقويض الإسلام الصحيح، وهدم دين الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجعله طيّ النسيان، وإيجاد نوع جديد من الميليشيات المنتسبة إليه يقاتل بعضها بعضاً، ويحرض بعضها على بعض، لعل ذلك ينتهي بالغرب إلى جعل الشعوب العربية تهب هبة شعبية واحدة للقضاء على كل منتسب أو منتم إلى دين الله كما فعلت ذلك شعوب أوروبا الحديثة.

ولهذا: فينبغي للمتابع، وللدارس، ولطالب العلم، أن يعدّ العدّة –وقد بدأنا نرى ذلك- لأن ينتج عن هذا العمل الاستخباراتي الجبار والمجهود الفكري الكبير والكيد النفسي العظيم، أن تنبت من المنتسبين إلى الفكر نابتة، تتصدر الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ومقاطع اليوتيوب، وكلها تشيع وتدّعي أن داعش ما هي إلا نبتة سلفية تيمية وهابية داعشية، لتذهب هذه الطائفة ,وتأتي بعدها أخرى تحل محلها وتقول: داعش هي السلفية، والسلفية هي داعش.

           مجموعة : ثقافية منوعة        ..         للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى / alomary2008+subscribe@googlegroups.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق